محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
720
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
ولرسوله ولأولي الأمر . فمن لم يأخذ منهم ذلك ولم يشكرهم على ذلك كان كافر النعمة ولم يعبد اللّه أصلا . ثم الكلمة الطيبة لا تكون إلا مع الشجرة الطيبة ، والكلمة الخبيثة لا تكون إلّا مع الشجرة الخبيثة ، والأكل من الشجرة الطيّبة لقوم ، والأكل من الشجرة الخبيثة لقوم ، وطيّبات الرزق لقوم ، وخبيثات الرزق لقوم ، والعلوم أرزاق والأخلاق أرزاق . وسرّ آخر : ألطف منه : خاطب الناس عامّة بأكل الحلال الطيّب : يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً ذكرهما بلفظين متباينين ، وخاطب المؤمنين خاصّة بأكل الطيّب : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ذكره بلفظ واحد ، إذ قد اتّحد الحلال بالطيّب في حقّ المؤمن ، فكلّ حقّ وخير وصدق فهو الحلال الطيّب ، ثمّ خاطبهم بالشكر للّه على ذلك ، وظاهر الخطاب يدلّ على وجوب الشكر عليهم ، وباطنه أنّه تيسير الشكر لهم ؛ فإنّ من أكل الطيّبات من الرزق لم يحصل منه إلّا الشكر ، كما قال تعالى في حقّ الرسل : يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً . تتمة هذا السرّ بلطيفة أخرى وهي : أنّ الطيّبات من الأرزاق على قسمين : أحدهما ما يكون طيّبا بالفطرة لا يحتاج إلى تطييب بالكسب كالفواكه والحبوب المأكولة ، وإنّما حرّم منها المسكر المتّخذ من الأعناب والنخيل ، لأنّه يطفئ نور العقل ويضرم نار الغضب ( 294 ب ) والشهوة ؛ فيحرق النفس بأخلاقها ومعارفها ، وعنه أخبر التنزيل : إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ ؛ والقسم الثاني ما يحتاج إلى تطييب كلحوم الحيوانات المأكولة ، وتطييبها بالذبح السافك للدم المسفوح ، وإنّما حسن ذبح الحيوان وحلّ لحمه ؛ لأنّه تكميل له وترقية من درجة الحيوانية إلى درجة الإنسانية حتّى يصير كلّ جزء منه جزءا من الإنسان ، متّصلا به اتّصال خلقة ؛ فكان حامل نفس حيوانية تسبّح تسبيح الحيوان ، فصار حامل نفس إنسانية تسبّح تسبيح الإنسان ، وكما حلّ للحيوان النبات - أعني حلال النفع - كذلك حلّ للإنسان الحيوان - أعني حلال الشرع - وكما كان في النبات نافع وضارّ يعرفه الحيوان بطبعه كذلك في الحيوان نافع وضارّ يعرفه الإنسان بشرعه . وإنّما النافع منه هو الطيّب والضارّ منه هو الخبيث ، والنفع منه قد يكون بالإضافة إلى